ابن تيمية
62
مجموعة الفتاوى
فَحَيَوَانِيَّةُ الْإِنْسَانِ وَنُطْقُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ مَا يَشْتَرِكُ مَعَ الْحَيَوَانِ فِيهِ وَفِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَكَذَلِكَ بِنَاءُ بِنْيَتِهِ . فَإِنَّ نُمُوَّهُ وَاغْتِذَاءَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبَاتِ فِيهِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَلَيْسَ مِثْلَهُ هُوَ . إذْ هَذَا يَغْتَذِي بِمَا يَلَذُّ بِهِ وَيَسُرُّ نَفْسَهُ وَيَنْمُو بِنُمُوِّ حِسِّهِ وَحَرَكَتِهِ وَهَمِّهِ وَحَرْثِهِ . وَلَيْسَ النَّبَاتُ كَذَلِكَ . وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ النَّوْعِ وَأَفْرَادُهُ . فَنُطْقُ الْعَرَبِ بِتَمْيِيزِ قُلُوبِهِمْ وَبَيَانِ أَلْسِنَتِهِمْ أَكْمَلُ مِنْ نُطْقِ غَيْرِهِمْ حَتَّى لَيَكُونُ فِي بَنِي آدَمَ مَنْ هُوَ دُونَ الْبَهَائِمِ فِي النُّطْقِ وَالتَّمْيِيزِ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تُدْرَكُ نِهَايَتُهُ . وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ اشْتِرَاكَ أَفْرَادِ الصِّنْفِ وَأَصْنَافِ النَّوْعِ وَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ وَالْأَجْنَاسِ السَّافِلَةِ فِي مُسَمَّى الْجِنْسِ الْأَعْلَى : لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ فِيهَا بِالسَّوَاءِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقَائِقِ الْخَارِجَةِ شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ وَلَكِنَّ الذِّهْنَ فَهِمَ مَعْنًى يُوجَدُ فِي هَذَا وَيُوجَدُ نَظِيرُهُ فِي هَذَا . وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ نَظِيراً لَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُمَاثَلَةِ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْمُشَابَهَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى حَقِيقَةٍ تُخَالِفُ حَقِيقَةَ مَا فِي الْآخَرِ . وَمِنْ هُنَا يَغْلَطُ القياسيون الَّذِينَ يَلْحَظُونَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ الْجَامِعَ دُونَ الْفَارِقِ الْمُمَيِّزِ . وَالْعَرَبُ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ : أَعْظَمِ النَّاسِ